اسماعيل بن محمد القونوي

128

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بليغ الملوحة مستفاد من وصفه بالأجاج وفيه أيضا تنبيه على ما ذكرناه من أن فرط ملوحته لا يزول بمجاورة العذب الشديد العذوبة فضلا عن ملوحته بالمرة ولذا وصف الماء في الموضعين بوصف يفيد المبالغة في بابه ولم يذكر هنا نظير ما هو مذكور أولا بقوله خارج منه اللؤلؤ والمرجان لعدم الإشارة إليه في النظم الجليل وقدم الأول لأنه نعمة جسيمة لا يوازنه منحة من المنح ولعل أصله مالح الخ والباعث عليه أنه لم يسمع ملح بمعنى مالح ولهذا أنكر هذه القراءة الشاذة أبو حاتم قوله كبرد في بارد تأييد للتخفيف المذكور قوله ولعل لعدم الجزم في عدم سمع ملح بمعنى مالح إذ الاستقراء التام مشكل والناقص غير مفيد . قوله : ( حاجزا من قدرته ) أي مانعا بالامتزاج التام وذلك المانع محض قدرة اللّه تعالى لا الأرض ونحوه وسيجيء وجه آخر . قوله : ( وتنافرا بليغا ) بيان حاصل المعنى وهو التمييز التام وعدم التمازج بينهما بحيث لا يبغي أحدهما على الآخر بإبطال الخاصية . قوله : ( كأن كلا منهما يقول للآخر ) إشارة إلى الاستعارة التمثيلية « 1 » شبه البحران إلا عراد اعردا وصليانا بردا * وعنكثا ملتبدا يريد عاردا باردا يقال صرد الرجل بالكسر يصرد أي يجد البرد سريعا والعراد نبت والصليا بقلة وهي فعليتان الواحدة صلبانة والعنكث أيضا نبت والتبدت الشجرة كثر أوراقها وقال الشارح زحمت الاعراب في ضرب أمثالها على لسان البهائم أن الضفدع كان ذا ذنب وأن الضب سلب ذنبه وذلك أنهما خاطرا في الظمأ أيهما أصبر وكان الضب ممسوح الذنب فصبر الضب يوما فناداه الضفدع يا ضب وردا وردا فقال الضب أصبح قلبي صردا الخ فناداه في اليوم الثاني فأجابه كما أجابه في اليوم الأول فلما كان في اليوم الثالث ناداه فلم يجبه وبادرا الضفدع إلى الماء فتبعه الضب فأخذ ذنبه وقد أجاز ابن الاعرابي مالح وأنشد : بصرية تزوجت بصريا * يطعمها المالح والطريا وفيما قرىء على أحمد بن يحيى فاعترف بصحته فقال يقال سمك مالح وماء مالح ولذا يقال مملوح ومليح هذا أفصح والأول يقال . قوله : حاجزا من قدرته معناه الحاجز هو قدرته تعالى لا شيء آخر غير القدرة كالجبل والحجر وغيرهما من الأجسام الحائلة كقوله عز من قائل : بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [ الرعد : 2 ] يريد بغير عمد مرئية وهو قدرته . قوله : وتنافرا بليغا أي تنافرا بالغا أقصى غاياته ومعنى المبالغة مستفاد من وصف حجرا بمحجورا وهو كالوصف في قولهم ليل اليل وشعر شاعر . قوله : كأن كلا منهما يقول للآخر ما يقول المتعوذ عنه وفي الكشاف حجرا محجورا هي

--> ( 1 ) قيل ظاهره على أن حجرا محجورا مجاز عن التنافر بعلاقة اللزوم فإن هذا القول يستلزمه فقوله كأن كلا -